ابن الجوزي

106

أخبار الظراف والمتماجنين

الماجشون « 1 » فجاءه بعض جلسائه ، فقال : أعجوبة ، قال : ما هي ؟ قال : خرجت إلى حائطي بالغابة ، فلما أصحرت « 2 » وبعدت عن البيوت تعرض لي رجل فقال : اخلع ثيابك . قلت : وما يدعوني إلى خلع ثيابي ؟ قال : أنا أولى بها منك . قلت : ومن أين ؟ قال : لأني أخوك ، وأنا عريان ، وأنت مكتس . قلت : فالمواساة « 3 » . قال : كلا قد لبستها برهة ، وأنا أريد أن ألبسها ، كما لبستها . قلت : فتعريني وتبدي عورتي . قال : لا بأس بذلك ، فقد روينا عن مالك « 4 » أنه قال : لا بأس للرجل أن يغتسل عريانا . قلت : فيلقاني الناس فيرون عورتي ؟ قال : لو كان الناس يرونك في هذه الطريق ما عرضت لك فيها . فقلت : إني أراك ظريفا ، فدعني حتى أمضي إلى حائطي « 5 » ، وأنزع هذه الثياب وأوجه بها إليك . قال : كلا أردت أن توجه إلي أربعة من عبيدك فيحملوني إلى السلطان فيحبسني ، ويمزق جلدي ، ويطرح في رجلي القيد . قلت : كلا أحلف لك أيمانا أني أفي لك بما وعدتك ، ولا أسوؤك . قال : كلا إنّا روينا عن مالك أنه قال : لا يلزم الأيمان التي يحلف بها اللصوص . قلت : فأحلف لك إني لا أحتال في أيماني هذه . قال : هذه يمين مركبة على أيمان اللصوص . قلت : فدع المناظرة بيننا فو اللّه لأوجهن إليك هذه الثياب طيبة بها نفسي . . . فأطرق ثم رفع رأسه وقال : تدري فيم فكرت ؟ قلت : لا . قال : تصفحت أمر اللصوص من عهد رسول اللّه صلى اللّه ( وآله ) عليه وسلم ، وإلى وقتنا هذا فلم أجد لصا أخذ نسيئته « 6 » ، وأكره أن أبتدع في الإسلام بدعة يكون علي

--> ( 1 ) الماجشون : هو عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد اللّه التيمي بالولاء ، أبو مروان الماجشون ، فقيه مالكي فصيح ، دارت عليه الفتيا في زمانه ، وعلى أبيه قبله . أضرّ في آخر عمره . وكاه مولعا بسماع الغناء في إقامته وارتحاله . توفي سنة 212 ه . ( راجع ترجمته في ميزان الاعتدال 2 : 150 ؛ والانتقاء : 57 ؛ وابن خلكان 1 : 287 ؛ والأعلام 4 : 160 ) . ( 2 ) أصحرت : دخلت الصحراء . ( 3 ) أراد المناصفة بتقاسم الثياب . ( 4 ) مالك : هو الإمام مالك بن أنس ، المتوفي سنة 179 ه . ( 5 ) الحائط : البستان . ( 6 ) النسيئة : المؤجل والمؤخّر .